السيد الطباطبائي

284

الإنسان والعقيدة

في دعوتهم إلى صريح الحقّ وبين الحقّ ، سلوك الإنسان بشعوره الفطري إلى نيل المعارف الإلهيّة ، حيث إنّهم على رفعة مكانتهم ، وإشرافهم على الأفق الأعلى - قد تنزّلوا إلى مستوى الأفهام البشريّة ، وقد روي عن النبيّ صلّى اللّه عليه واله أنّه قال : « إنّا معاشر الأنبياء أمرنا أن نكلّم النّاس على قدر عقولهم » « 1 » . وحاشا ساحة الأنبياء عليهم السّلام أن يحملوا النّاس على أن يخبطوا خبط عشواء ، وأن يسوقوهم سوق البهيمة العمياء . . ، فإنّهم عليهم السّلام كانوا - على عكس ذلك تماما - إذا خاطبوهم خاطبوهم بما يفهمون ، وإذا أتوهم بآية معجزة فإنّما يكون ذلك بعد أن تكون أممهم ( الأنبياء ) قد اعتبرتها صالحة للدلالة على صدق الدعوى ، فيحتجّ بها الأنبياء على تلك الأمم التي اعترفت ، بل وقرّرت وأثبتت دلالتها على صدق دعوتهم الحقّة . . وهو ذا القرآن أعدل شاهد على ذلك فيما يدعو إليه المجتمع الإنساني من معارف المبدأ والمعاد وكلّيات المعارف الإلهيّة ، فهو لا يأخذ إلّا عن حجّة بيّنة ، ولا يدع إلّا عن حجّة بيّنة ، ولا يمدح إلّا العلم والاستقلال في الفهم ، ولا يذمّ إلّا الجهل والتقليد . قال تعالى : قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي « 2 » . . وخلاصة القول : إنّ الدين لا يدعو الإنسان إلّا إلى نيل الحقائق الإلهيّة بشعوره الاستدلالي ، الذي جهّز به ، وهذا هو بالذات ما يعبّر عنه ب : « الفلسفة الإلهيّة » ، فكيف صحّ - بعد هذا - الفصل بين الدين الإلهي وبين الفلسفة الإلهيّة ، مع أنّهما شيء واحد ، لا تعدّد فيه ولا اختلاف ؟ فلا قيمة إذن لما أصرّ عليه جمع من الباحثين الأوربيّين ، واستحسنه آخرون من

--> ( 1 ) أصول الكافي : 1 / 38 ، الحديث 15 / 15 ، كتاب العقل والجهل . بحار الأنوار 1 / 85 ، باب 1 - فضل العقل وذمّ الجهل ، الحديث 7 . ( 2 ) سورة يوسف : الآية 108 .